كما أود، ثانيا، أن أعلن عن موقفي كقارئ مستهلك للصحافة بشكل عام والمغربية بشكل خاص، أني كنت من المتضررين من خروج علي أنوزلا وتوفيق بوعشرين من المساء وتأسيس منابر إعلامية خاصة بهم، إذ كنت أكتفي فقط بشراء جريدة المساء وجريدة القدس العربي وبعض الأسبوعيات وعلى رأسها جريدة الأيام وصحيفة لوموند الفرنسية شهريا..كانت المساء فيما قبل جريدتي المفضلة بحيث كنت أشتريها دون أن أتصفح مضامينها، فكنت أستمتع بنصوص رشيد نيني وتوفق بوعشرين وملفات إدريس الكنبوري وتقارير علي أنوزلا ومشاغبات حميد زيد وبعض المثقفين مثل عبد الله الدامون والصديق حميد اتباتو...وغيرهم الكثير، وتشرفت شخصيا بنشر بعض الكتابات في صفحة الرأي في الأعداد الأولى من صدورها. كانت جريدة المساء صحيفة متكاملة من حيث الأجناس الصحفية من حوارات وتقارير وتحقيقات ومقالات الرأي وأخبار الرياضة، وكلها مقالات جد محكمة تحترم حس القارئ وعقله، لأنها ببساطة تحترم أخلاق المهنة بعيدا عن المضاربات الأيديولوجية الرخيصة، ولهذا السبب استطاعت أن تملأ فراغا مهولا وساهمت في تصالح الناس مع السياسة بخطاب نقدي مبسط يراعي قدرة القارئ في الفهم والإفهام أو البيان والتبيين بلغة الجاحظ...وحين خرج علي أنوزلا كنت أقرأ الجريدة الأولى وأستمتع بافتتاحياته هو فقط ومقالات حميد زيد الساخرة وكذلك الكاتب جمال بودومة، أما جريدة "أخبار اليوم" فكنت أقرأ فقط للأستاذ توفيق بوعشرين ..نعم فقط مقالات توفيق بوعشرين... وقد يقول قائل أني متعجرف ومتكبر ومتثاقف، وها أنا أتواضع أمامكم وأقول : ربما راسي ثقيل...ليس إلا ! ...
المهم أني تضررت كثيرا كقارئ مستهلك للصحف الوطنية كما أسلفت ، فكان لزاما علي أن أشتري ثلاث جرائد دفعة واحدة لأقرأ للصحفيين المحبوبين والأقرب إلى عقلي، ثلاث جرائد دفعة واحدة مضافا إليها مجلة وكتاب أحيانا... كلفة تجعلني أتحمل ما لا طاقة لي به!!
على مسؤوليتي
لقد تابعت كغيري مقالات كثيرة تتهجم على رشيد نيني وتتهمه بتهم شتى مخلوطة بصنوف من السب والشتم المجاني، وتختصر جريدة المساء في شخصه، أحدهم يدعي أن رشيد نيني غير مثقف، وأنه ينقل من محرك "كوكل" بعض المعلومات ليقحمها في عموده، واتهم القراء بالقصور المعرفي لانسياقهم وراء خطاب شعبوي ينطلق من الدين نفاقا وليس قناعة والتزاما..أنا أعتقد جازما أن هذي اتهامات رخيصة بحق رشيد نيني ومعه القراء، لأن المعلومات التي يأتي بها رشيد نيني في عموده وهو جالس في مكتبه غير موجودة لدى الناس بله أن تكون في صفحات "كوكل"، لو قال بأن رشيد نيني له مصادره الخاصة وزعم أنها من المخابرات لمارس علينا نوعا من التذاكي، أما أنه غير مثقف، فهذه فرية يعسر على قارئ مثلي أن يصدقها، لأن الرجل شاعر يتقن ثقافة عصره، وناقد يتخفى وراء مهنة الصحفي، وكاتب يغرف من البحر في مقابل البعض الذي ينحت على الحجر حتى يسوي مقالا لا يقرأه أحد !!
أما من يقول بأن رشيد نيني أصبح يهزأ من اليسار وأفكار اليسار، وأن محمد الساسي صد ظهره لكل ما هو يساري وعقلاني ومنطقي... حين قبل في الكتابة في جريدة المساء، وكأن "المساء" تصدر من جبال تورا بورا، هذا كلم فقط، فلم يبين لنا صاحب هذا المقال أين يتجلى المنطق والعقلانية عند خلانه ممن يسميهم اليسار. لو وقف عند حد منع مقالة الساسي من لدن مدير النشر لاتفقنا معه حين نتبين الخبر اليقين من الساسي نفسه، أما أن نسمع كلام المقاهي ونشيعه في مقالات مسؤولة فأعتقد أن المسألة تتجاوز قيمة التضامن مع جريدة "أخبار اليوم"، وتذهب مذهبا إيديولوجيا عقيما أكل عليه الدهر وشرب حتى أصيب بتخمة مخزنية عقيمة، الخبر اليقين موجود يعرفه العوام والراضي في سيدي سليمان أيقونة دالة عن النخبة اليسارية التي تخلت عن القوات الشعبية وتمخزنت من رأسها إلى أخمص قدميها وأصبحت ثرواتها تضاهي أموال قارون !!
وحتى أكون منصفا، عكس بعض المتخندقين الذين جعلوا من اختلاف الصحفيين فيما بينهم قميص عثمان ليصفوا حساباتهم مع نيني، أقول بأني اتفق مع البعض الذي كتب بأن رشيد نيني لعب دور "المغرق" في مسالة الهجوم المخزني على جريدة "أخبار اليوم" ومنع صحفييها من ولوج مقر الجريدة، أنا أرى أنه كان على نيني أن يقول خيرا أو يصمت، وأن ما وقع لزملائه يمكن أن يقع له في يوم من الأيام، كما لا أتفق مع جريدة المساء حين نشرت رسائل شخصية لمجموعة "مالي"، وأعتقد أن هذا سلوك يتنافي وأخلاقيات المهنة، ولا أتفق معه حين وصف هسبريس كونها موقعا مشبوها دون أن يعرب للقراء عن ذلك...
وللإنصاف أيضا نقول: إن مجموعة من المقالات التي قرأتها تتهجم على نيني كتبها مجموعة من الناس لم يكتبوا مقالا واحدا في جريدة المساء، أعرفهم واحدا واحدا، وهذا ما يقع أحيانا حتى لموقع هسبريس، فكثير منهم يسبون الموقع وأهله ويطلقون إشاعات مغرضة، وحين أحاول أن أتبين أجد أنهم لم يستطيعوا نشر مقالاتهم في هذا الموقع، ولما تدخلت شخصيا لدى الزميل طه الحمدوشي ويسرت لبعضهم السبيل في نشر مقالاتهم ..أصبحوا يسبحون بموقع هسبريس....سبحان مبدل الأحوال !!
أضف إلى هذا أن هناك من تهجم على نيني ليس بسبب موقفه من هذا الصحافي أو ذاك كما يزعمون وهم كاذبون، بل هناك موقف إيديولوجي لبعض الكتبة من رشيد نيني لأنه ،مهما اختلفنا معه، فهو رجل محافظ ،كما نقرأ له طبعا، على القيم الأخلاقية للمجتمع ويقف ضد حثالة المعسكر المعادي لأصالتنا نحن المغاربة ـ إلى درجة أنه استطاع أن يشطب الخطاب الأخلاقي من أمام الإسلاميين( وهذي نقطة لا أود أن أسترسل فيها لضيق المجال) فوجدوها فرصة ليصفوا حساباتهم الخاصة والضيقة بطريقة لا يفهمها إلا سكموند فرويد، فلما أعوزتهم الحجة في النقاش والجدال بالتي هي أحسن وهم الحداثيون والعقلانيون والمتنورون والتقدميون ووو.. التمسوا أساليب خسيسة في الإقماع لما عجزوا عن الإقناع، وإني أعرف منهم الكثير ولا أود ذكر بعض الأسماء !!
إنني لن أقاطع جريدة المساء لأني، والحمد لله، لي عقل أميز به ما ينفعني، زد على هذا أن من يحترم نفسه، عليه ألا يقف أمامنا واعظا ناصحا مستبشرا بضيق أفقه في الوقت الذي نعيش أزمة خانقة على مستوى الحوار والتواصل حول قضايا عديدة تتطلب منا نقاشا مستفيضا. ولو أتيحت لي فرصة نقاش واقع الصحافة المغربية لقلت: أحس أن داء الانقسامية تمكن منها بعدما جعل قبائل وأحزابا وحركات حصيدا كأن لم تغن بالأمس !!
إن المثقف سواء كان صحافيا أو فاعلا سياسيا أو عضوا في جمعية أو دكان حزبي ...الخ، لا يمكنه أن يقاطع جريدة لمساء، لأنها جريدة تأتيك بالأخبار الطازجة والتحقيقات والملفات والحوارات النادرة، وما دمت مداوما على قراءة صحف العدو الصهيوني لأنها تنشر أخبارا وتحقيقا وتصريحات تفضح النظام العربي الرسمي وعلاقاته المشبوهة مع الصهاينة، فلا يسعني إلا أن أقرأ صحف وطني وأولها جريدة المساء.

